الأموال البلدية لإنماء المناطق.. أم لتمويل العجز العام؟


تهافتت السلطة وكل القوى السياسية على الانتخابات البلدية بحسابات مختلفة أبرزها القول بوجوب احترام الاستحقاقات الدستورية، فكان أن طارت الإصلاحات الانتخابية الحقيقية ولا سيما موضوع النسبية، مثلما بدا أيضا أن البرامج الإنمائية تراجعت لمصلحة السياسة أولاً وأخيراً .
انتهت سكرة الانتخابات وها هي أكثر من تسعمئة بلدية من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، مروراً بالجبل والعاصمة والبقاع المنسي، تجد نفسها أمام سؤال الإنماء الكبير. يمكن القول إن معظم هذه البلديات تواجه واقع افتقادها للمال، عصب المشاريع والخدمات، إما بسبب ديون وأعباء مالية موروثة، وإما بسبب ميزانية الصفر عند حافة التسلم والتسليم. أما البلديات التي تسلمت موازنات حقيقية فهي حكماً البلديات الكبرى، أو تلك التي اتسم عملها بشفافية مالية، وهي قليلة جدا، اذا لم تكن معدودة على الأصابع .
اليوم، تواجه معظم المجالس البلدية المنتخبة، مشكلة تجميد مستحقاتها من الصندوق البلدي المستقل، الذي تمسك وزارة المالية برقبته، وبالتالي برقبة معظم بلديات لبنان، بشكل مخالف للقانون... علماً أن وزارة الداخلية شريكة في التسهيل والتعطيل، وهي في حالة الوزير زياد بارود لطالما كانت في الخانة الأولى .
المشكلة الثانية أن كل المستحقات من «ضريبة القيمة المضافة» على الخلوي منذ العام 2002 وحتى الآن، لم تدفع نهائياً، فيما قضية جباية الرسوم والضرائب في النطاق البلدي، مسألة تخضع لاعتبارات محلية بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى اعتبارات عامة تشمل كل البلديات .
تنص المادة 87 من المرسوم الاشتراعي رقم 118 على 77 (قانون البلديات) على أن «تودع أمانة في صندوق بلدي مستقل في وزارة الداخلية حاصلات العلاوات المشتركة العائدة لجميع البلديات». وهذه المادة لم تنفذ منذ العام 1979 حيث أصدرت الحكومة في حينها مرسوماً تطبيقياً يخالف القانون السابق وينص على الآتي: «تودع اموال الصندوق البلدي المستقل في مصرف لبنان باسم الخزينة العامة. ويفتح قيود مصلحة الخزينة في وزارة المالية حساب خاص باسم الصندوق البلدي المستقل»... والفضيحة أن حساباً من هذا النوع ليس موجوداً في مصرف لبنان، ما يعني أن الصندوق هو حالياً أمانة في عهدة وزارة المالية بدلاً من وزارة الداخلية خلافاً للقانون الذي يكون مفعوله القانوني عادة أقوى من المرسوم .
الحديث عن هذه المخالفة الدستورية يعود اليوم بعدما تعبت البلديات من انتظار عطف وزارة المالية للحصول على مستحقاتها عن عامي 2008 و2009 والتي تقدر بنحو 1100 مليار ليرة، والتي سيضاف إليها قريباً مستحقات العام الحالي (يستحق في شهر أيلول) ما يعني أن المبلغ سيصل إلى عتبة الـ 2000 مليار ليرة. وهو مبلغ لا شك في أنه يمكنه أن يحدث تغييراً جذرياً في دفع عملية الإنماء قدماً في مختلف المناطق .
واذا كان وزير الاتصالات هو المعني الأول بالاجابة على سؤال الستمئة مليون دولار المحتجزة في صندوق الوزارة، ولماذا لا توزع على البلديات، ولماذا لا يجيب على أسئلة نواب تيار المستقبل تحديداً حول سبب عدم تحويلها الى مصرف لبنان، فان وزير الداخلية وأيضا وزيرة المالية يجب أن يجيبا على سؤال رئيس لجنة المال النيابية النائب ابراهيم كنعان حول مصير أموال الصندوق في العامين 2008 و2009، لا بل أكثر من ذلك: أين ذهبت مخصصات الصندوق البلدي خلال 13 سنة (من 1980 حتى 1992 ).
هذه الأزمة التي تواجهها البلديات عبّر عنها رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان، عندما قدم سؤالاً للحكومة عبر رئاسة مجلس النواب، في 22 أيار الماضي، يستوضح فيه أسباب عدم دفع مستحقات البلديات عن العامين الماضيين، إضافة إلى العائدات المتراكمة عن السنوات بين 1980 و1992 ضمناً .
وعندما راجع كنعان رئيس الحكومة سعد الحريري في آخر جلسة نيابية عامة حول مصير سؤاله أجابه رئيس الحكومة بأنه رد عليه وهو لم يطلع على الرد، فما كان من كنعان إلا أن راح يفتش في مكتبه، ثم في الأمانة العامة لمجلس النواب عن ردّ رئيس الحكومة، فلم يجده وتبين له لاحقاً أنه محتجز في أدراج الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي سهيل بوجي .
وتبين أن وزير الداخلية والبلديات زياد بارود كان قد ردّ على سؤال كنعان في العاشر من حزيران الماضي، عبر رئاسة مجلس الوزراء، ولكن هذا الردّ لم يصل إلى المجلس النيابي حتى الآن. وبما أن كنعان لم يتلق أي جواب خلال المهلة القانونية أو بعدها، طلب تحويل سؤاله إلى استجواب للحكومة .
هذا الواقع يطرح أكثر من علامة استفهام حول الدور الذي تلعبه بعض المواقع الإدارية في رئاسة الحكومة في ترك الأمور على غاربها فيما يتعلق بأموال البلديات .
وتفيد المعلومات، أن بارود، الذي حُوّل له السؤال أصلاً من قبل رئاسة الحكومة، فيما كان من الممكن أن يحول إلى وزارة المالية التي تحجز الأموال، لم يقدم إجابات واضحة على السؤال، بقدر تأكيده على أن ما يحصل «يشكل مخالفة للقانون». وهو، ربما، ما قد يكون سبباً إضافياً في إخفاء رده عن مجلس النواب .
وبناءً عليه، يبقى السؤال مطروحاً لا بل يصبح أكثر الحاحاً: أين هي عائدات الصندوق البلدي، وهل تم التصرف بها، بالرغم من أنها أمانة في الوزارة، بحسب القانون؟ أم أنها موجودة ولا تصرف إلا سياسياً، فتحرم بعض البلديات والاتحادات البلدية من الحصول على كامل العائدات المستحقة لها لمصلحة بلديات واتحادات أكثر حظوة، وبما يخالف مبادئ العدالة والمساواة التي تقضي بتوزيع أموال الصندوق دون تمييز أو محاباة. وأمامنا تجربة مستحقات العام 2007 التي وزعت منها وزارة المالية 234 مليار ليرة على البلديات، فيما استفادت بلديات واتحادات أخرى من 257 ملياراً، بحكم كونها مشمولة بعقود تلزيم كنس وجمع النفايات ضمن نطاقها من أصل عائدات الصندوق البلدي المستقل .
وبما أن الاموال المستحقة لم تتضمنها موازنة العام الحالي، وقد أكدت الوزيرة ريا الحسن أنها ستضاف إلى موازنة العام المقبل، فهذا يعني حكماً أنها دخلت في العجز، وبالتالي يجب أن تكون ضمن أولويات الاقتراض. وهو ما يطرح كنعان له حلاً من خلال اقتراح قانون سيقدم إلى مجلس النواب ويدعو للإجازة للحكومة إصدار سندات خزينة بالعملة اللبنانية لآجال طويلة ومتوسطة وقصيرة من أجل دفع العائدات المستحقة للبلديات ولاتحادات البلديات من حاصلات الصندوق البلدي المستقل وهو اقتراح يهدف إلى سد الأبواب أمام كل الحجج التي تحول دون وصول الأموال إلى مستحقيها بغير وجه حق .
«السفير» تنشر اعتباراً من اليوم، وعلى أربع حلقات، لوائح تحدد فيها ما هو مستحق لكل بلدية من بلديات لبنان في ذمة الدولة اللبنانية، سواء من حصة البلديات من الصندوق البلدي المستقل على قاعدة تقدير وزارة المالية بأن المبلغ المستحق للعام 2008 (الصندوق البلدي) هو 543 مليار ليرة، واذا تم اعتماد الرقم نفسه خلال العام 2009 يكون الاجمالي 1086 مليار ليرة (733 مليون دولار أميركي). كما تتضمن اللوائح أرقاماً دقيقة لحصة كل بلدية من بلديات لبنان من عائدات الضريبة على القيمة المضافة على الهاتف الخلوي من العام 2002 وحتى العام 2009، وتبين أنها تبلغ حوالى 894 مليار ليرة (حوالى 596 مليون دولار أميركي). وفي ما يلي حصة بلديات واتحادات بلديات جبل لبنان
ايلي الفرزلي
