البلد - بيار عقيقي
يقول كثيرون إن المتن الــشــمــالــي هـــو أصــــل أي انتخابات نيابية وبلدية، هو الأساس وهو الحكاية. ثبات الــمــواقــع فيه يحتاج الى الكثير من العناد والشجاعة وسرعة البديهة والتصرّف، مفاهيم عرفها كل من مرّ في المتن وسيمرّ... صحيح أن العامين 2005 و2009 أدخــلا وكــرّســا وجــود طرف جديد وهو التيار الوطني الحرّ، الذي بدوره سيخوض معركة بلدية هي الأولــى مــن نــوعــهــا فــي تــاريــخــه.
فهل ينجح بالقبض على المتن بلديا، أم ان الخصوم ســيــنــجــحــون فــــي وقـــف اندفاعته، وبالتالي ترسيخ وجودهم فيه؟
مــا يــزيــد المتن قـــدرة على جذب الاهتمام إليه في مختلف الاستحقاقات الانــتــخــابــيّــة، حتى بــات "الــبــارومــتــر" الانتخابي بامتياز، هو الحركة السياسيّة التي يشهدها باستمرار، بالإضافة الى تمركز قــوى مسيحيّة أساسيّة فيه، جغرافيّاً وسياسيّاً. فمن لقاﺀ "دولتي الرئيس" ميشال عون والياس المر في نهاية العام المنصرم، الى لقاﺀ النائبين ابراهيم كنعان وسامي الجميّل قبل أيّام، تبدو الانتخابات البلديّة في المتن مرشّحة لخلط أوراق على الصعيد السياسي لا بدّ أن ينعكس على واقع بلديّات كثيرة، خصوصاً في الساحل المتني.
دلّت النتائج الانتخابية الأخيرة في المتن الشمالي، على أن التيار الوطني الحرّ بات قوة لايُستهان بها في، القضاﺀ بعدما أعاد العديد من المراقبين انتصاره الكاسح في 2005 الى "موجة عطف من الناس مع العماد ميشال عــون"، والى "وقوف النائب ميشال المر مع عون في منطقة المتن". بينما كان على النقيض من ذلك في، 2009 حين نجح التيار بمعية الطاشناق و "وسط موجة عاتية من الهجمات عليه"، و "انشقاق المرّ عنه" من تحقيق تقدم بارز خطف بموجبه 6 مقاعد متنية من أصل 8. ومع أن البعض أخذ على التيار الوطني الحر وحلفائه، بأن "انتصاره في 2009 ناجم عن الأصوات الأرمنية فحسب، وأن القرى الأخرى لم تقدم له ما يكفي لتحقيق انتصار فعلي في الانتخابات البلدية المقبلة إلا أن الواقع لا يقول هكذا "، فإنّ قراﺀة دقيقة لنتائج الانتخابات النيابيّة بالأرقام تثبت أنّ التيّار بات الفريق الأقــوى شعبيّاً في المتن، إذا قارنّا بينه وبين القوى الأساسيّة في المتن، وخصوصاً الكتائب اللبنانيّة والنائب ميشال المر.
في المتن يأخذ موضوع البلديات حيزا هاما من الاهتمام اللبناني، كونها "المنطقة الأشهر" في لبنان في هذا الموضوع، على اعتبار أن المرّ، الذي كان وزيرالداخلية لفترات طويلة، نجح في تكوين قاعدة صلبة من الموالين له في بلديات المتن. لكن الأمور تغيرت الآن، لنواح عدة، فالكتائب يرغبون في "استرداد ودائعهم" من كتائب المرّ، والقوميون باتوا بعيدين نوعا ما عن المرّ، كما ان للطاشناق حيثية قوية في الساحل، لن يجيّرها الا لحليفه النيابي، ويبقى أن التيار الوطني الحر هو من سيواجه فعليا معركة عنيدة في مختلف قرى المتن. انطلاقا من الساحل الذي مهّد لانتصار، 2009الـــ مــرورا بالوسط الذي يستطيع فيه "العونيون" تحقيق انتصارات بارزة، وصولا الى الجرد الأعلى حيث يتفوق التيار في بعض القرى.
ما يجعل فعلياً أي معركة في المنطقة حديدية في بعض الأماكن ومحسومة فــي البعض الآخـــر. وإذا كــان التيّار، وخصوصاً بشخص زعيمه، شكّل الرافعة الأبــرز للنوّاب الذين فــازوا عن تكتل التغيير والإصلاح في الانتخابات الأخيرة، فإنّ الواقع الشعبي، مقروناً بالأرقام، يدل عل ىوجود حيثيّة شعبيّة للنائب ابراهيم كنعان شكّلت قيمة مضافة على الحضور الشعبي للتيّار، وينتج ذلك عن أداﺀ كنعان البرلماني والإعلامي والخدماتي.
علماً أنّ شجرة كنعان المثمرة غالباً ما رميت بالحجارة القريبة والبعيدة، مادفع بالعماد عون الى تحييده في مناسباتٍ كثيرة عن الصفوف الأماميّة.
ودّ الرابية
بالنسبة الــى الــقــراﺀة السياسية لــلــمــوضــوع الــبــلــدي الــمــتــنــي، يمكن الاشــارة الــى عوامل عــدة في صفوف تكتل التغيير والاصلاح وحلفائه وفي صفوف الكتائب – المرّ وحلفائهما.
فعند التكتل "تبدو الأمور أسهل ممّا كانت عليه في المرة الماضية، كما أن الــرأي العام اقتنع وبدأ يقتنع بأن الخطاب السياسي للتكتل بات هو ذاته خطاب معظم قوى الأكثرية النيابية".
موجة التفاؤل عند التيار ترتفع حين يأتيك الكلام عن "عــودة المترددين والمستقلين الى التيار، خصوصا وأن العديد من رؤساﺀ البلديات الحاليين يطلبون ودّ الرابية كي يستمروا في مناصبهم". كما أن استناد التيار الى "الصمود" الذي حققه في الانتخابات الأخيرة، لينطلق منه الى الهجوم البلدي، نابع من أن خصومه النيابيين أمسوا في وضع مغاير عما كانوا عليه في 2009.
وما تجدر الإشارة إليه هو أنّ أكثر من رئيس بلديّة نقل رجلاً من "العمارة"، حيث مكتب النائب المر، ليضعها في الرابية، تمهيداً، ربما، لنقل الرجلين معاً في المستقبل. وما الزيارات التي يقوم بها رؤســاﺀ بلديّات متنيّة الى نوّاب وقياديّين في التيّار الوطني الحر سوى دليل على ذلك.
بالنسبة الــى قواعد آل الــمــرّ، فإن المقربين منه ينقلون رغبته في "ترك الــحــريــة لمناصريه فــي اخــتــيــار من يــشــاؤون"، كما أن بعض المعلومات باتت تتردد في زوايــا المتن عن قرار صادر من أبوالياس "بتخلية مكاتبه في عمارة شلهوب" وعدم اهتمامه في ادارة معركة انتخابية بلدية. أما عند الكتائب فالوضع مختلف، فهم مستعدون ولكنهم لم يعتمدوا الاستراتيجية الجديدة، فالحزب يعيش أيضا التجربة البلدية الأولى بعد سنين طوال، وفي عهدة النائب سامي الجميل هذه المرة، ولكن من دون وثوق بمواقع حلفاﺀ النيابة ومراكزهم. وفي موازين القوى هناك دائما عناصر يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الانتصار البلدي. فــإذا كان اسم الجميّل قادرا على شحذ الهمم، واذا كان اسم المرّ مرادفاللبلديات، فإن النائب ابراهيم كنعان يشكّل رأس حربة التيّار في المتن، وقد أثبت ذلك في الاستحقاقين الانتخابيّين الأخيرين اللذين نال فيهما صدارة الأرقام المتنيّة.
إلا أن حالة كنعان متربطة بالكامل بحالة التكتل الذي يخوض النزال البلدي، في محاولة جدية لاحكام السيطرة على المتن الشمالي بلديا، بعد النيابة.
"عباءة المرّ"
يستطيع الكتائب الانطلاق من قاعدة تتعاطف مع آل الجميل، ويستطيعون جذب العائلات اليهم، خصوصا وأن الجميل الابن أضحى في موقع متقدم في الحزب. ويستطيع آل المرّ، اذا شاؤوا أن يخوضوا معركة حقيقية، السعي الى التمسك بالبلديات، لكن التيّار الوطني الحر قادر على خلط الأوراق، فقد بات حضوره يشمل مختلف القرى المتنيّة التي بات قسم منها محسوما لمرشحيه، في حين يواجه مهمّة التوفيق بين أكثر من مرشّح في بعض البلدات كي يصبح الفوز متوفّراً أمامه. وتشير المعلومات الى أنّ اللقاﺀ اليتيم الذي جمع النائبين المر والجميّل بعد الانتخابات لم يكن وديّاً كثيراً، حيث كشف الجميّل أمام المر عن نيّته تحويل عدد من رؤساﺀ الأقسام الكتائبيّة الى رؤساﺀ بلديّات، بالإضافة الى إصــراره على "استعادة" اتحاد بلديّات المتن، معقل نفوذ المر الخدماتي. ويبدو واضــحــاً أنّ بعض الكتائبيّين الذين تستّروا بعباﺀته طيلة عقد و نيّف عادوا الى قواعدهم السابقة، وأصبح بعضهم يجمع بين "كتائبيّة سياسيّة" و "مريّة خدماتيّة".
الــى أيــن ســتــؤدي معركة المتن البلدية؟ بالنسبة الى أهل المتن وناسه، فهم يقرّون بأن للاعتبارات العائلية دورها في الانتخابات البلدية، كما أن التراجع الظاهري للمرّ مؤشر الى أن المعركة لن تكون كنيابة، 2009الـ فيما لم تقل كل القوى الأخــرى في المتن كلمتها من القوات، القومي، الشيوعي، وبعض الشخصيات المستقلة. يعترف أهل المتن أن اختيارهم سيكون أصعب من الاختيارات النيابية، رغم عدم غياب السياسة عنها، ويعترفون بأن دافعهم لتفعيل العمل البلدي وتطويره يطغى على ماعداه، وهذا ما يجعل من الخيارات التغييرية أكــثــر قـــدرة على جذب أصواتهم. المتن يدرك أن الأجواﺀ لم تعد كما كانت عليه في صيف، 2009 أقله حتى الآن، لكنها لم تقترب من صيف.. 2005الـــ. ليس بعد. يبقى أنّ معركة الانتخابات البلديّة تشكّل مقدّمة لاستحقاقٍ آخر، هو رئاسة اتحاد بلديات المتن. وهنا، يقول العارفون، تحدّد زعامة المتن.